أحمد مصطفى المراغي
5
تفسير المراغي
وإشفاق من الذم ) فقال ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) » . ( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) أي فانطلق الخضر وموسى بعد المرتين الأوليين حتى وصلا إلى قرية طلبا من أهلها أن يطعموهما فأبوا أن يضيفوهما ، وفي الحديث « كانوا أهل قرية لئاما بخلاء » وفي قوله ( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) دون أن يقول فأبوا أن يطعموهما - زيادة تشنيع عليهم ، ووصفهم بالدناءة والشح ، فإن الكريم قد يرد السائل المستطعم ولا يعاب ، ولكن لا يرد الغريب المستضيف إلا لئيم ، ألا تراهم يقولون في أهاجيهم . فلان يطرد الضيف . وعن قتادة : شر القرى التي لا يضاف فيها ، ولا يعرف لا بن السبيل حقه ( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ ) أي فوجدا في القرية حائطا مائلا مشرفا على السقوط فمسحه بيده فقام واستوى ، وكان ذلك من معجزاته . ( قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) أي قال موسى ذلك تحريضا للخضر وحثا له على أخذ الجعل ( الأجر ) على فعله ، لإنفاقه في ثمن الطعام والشراب وسائر مهامّ المعيشة . ( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) أي قال الخضر عليه السلام لموسى : هذا الاعتراض المتوالى منك هو سبب الفراق بيني وبينك بحسب ما شرطت على نفسك ، وإنما كان هذا سبب الفراق دون الأولين ، لأن ظاهرهما منكر فكان معذورا دون هذا ، إذ لا ينكر الإحسان إلى المسئ بل يحمد . ( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) أي سأخبرك بعاقبة هذه الأفعال التي صدرت منى ، وهي : خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ، ومآلها خلاص السفينة من اليد الغاصبة ، وخلاص أبوى الغلام من شره مع الفوز ببدل حسن ، واستخراج اليتيمين للكنز . وفي قوله : ( بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) دون أن يقول بتأويل ما فعلت ، أو بتأويل ما رأيت ونحوهما - تعريض به عليه السلام وعتاب له :